محمد الحفناوي

6

تعريف الخلف برجال السلف

المتيقظين لحفظ الطبقات العليا من عالم الإسلام في بطون الدفاتر ، لئلا تقع في أغوار التناسي وآبار الإهمال ، وهم رجال التاريخ وعدوله ، الذين قيدهم النظر إلى ميزان الحسنات والسيئات بين يدي ملك يوم الدين عن ذكر الإنسان بما ليس فيه ، وعن تقصيرهم في تحصيله بما يعلمونه منه مباشرة أو بواسطة من لا يتّهم في درايته وروايته . هذه تآليفهم نثرا ونظما ، منتفع بها في المغرب والمشرق تعلما وتعليما ، مشتهرة فيهما اشتهار مؤلفيها عند كل طالب علم وفي كل كتاب : المرء بعد الموت أحدوثة * يفنى وتبقى منه آثاره فأحسن الحالات حال امرئ * تطيب بعد الموت أخباره ولمّا آلت ولاية القطر الجزائري « 1 » للحازم الخطير سمو الوالي العام جونار ، المجتهد في جلب المهمات ، ودفع الملمات ليل نهار . صوب نظره السامي نحو مسلمي بر الجزائر بمزيد الإمعان ، وأحيا لجيلهم خير ما كان لأسلافه من مدنية الإسلام ، وأحسن إليه بما يناسبه من العصر الجديد لاجتماع كسوره وانتظام أموره ، وليمكنه الارتقاء في مدارك العمران ومدارج العرفان ، والتقدم في طريق النجاح المادي والمعنوي تقدما محسوسا بحركات علمه وعمله ، عساه أن يكون تلميذ العصرين ومجمع البحرين : عصر الشرق القديم وبحره ، وبحر الغرب الجديد وعصره ، وتكون السعادة وطاؤه ، والاستقامة غطاؤه ، إذ هما مطمح نظر كل إقليم نهضت به العلوم ، ومدار كل مدنية في العالم . ولم يصر الغرب إلى ما صار إليه في التاريخ الجديد إلا بالتلمذة لأهل العلم وبالمنافسة في المظاهر والمناظر المستنبطة من المعارف ، ولولا ذلك ما بزغت فيه شمس الحياة الحاضرة ، ولما سرت في أهله روح الشعور بآفاق أخرى من

--> ( 1 ) بعد فترة طويلة لم يكن فيها من رسوم العلم إلّا كبر العمامة ، للوليمة والإمامة ، ولا من رسوم الرفاهية إلا الطيالسة والقفاطين ، المنافية لاستثمار الماء والطين ، وهما في هذا العالم مادة الخلق وجادة الرزق .